عبد الله الأنصاري الهروي
536
منازل السائرين ( شرح القاساني )
ولغة هذا النطق هي اللغة التي يتكلّم بها الحقّ في قلوب خواصّ عباده ، ليتعرّف إليهم ، ويتعرّف بهم إلى قلوب المحجوبين ، بتنزّلهم عن لغة الأزل المحض إلى لسان فهومهم ومبالغ عقولهم - وهو التمثيل - ليمثّلوا لهم تمثيلا بأمثلة تناسب فهومهم « 1 » ليعرفوه على قدر استعدادهم . لأنّ اللّه تعالى أوجب عليهم أن يعلّموا الناس ، ولا يمكنهم التعليم الواجب عليهم بلغة الأزل ، التي هي لسان الحقّ ، الذي يتكلّم به في قلوبهم بحكمته ، فينزل اللّه تعالى عن حضرات قلوبهم - التي هي بيوته - إلى حضرات خيالاتهم ، ويمثّل تلك الحكم والمعاني بأمثلة تليق بمبالغ فهومهم ، ويتكلّم بلسانهم مع أممهم وأتباعهم . فيقف علماء الرسوم عند تلك الأمثلة ، وعلماء المعقول عند معقولهم ، لتقيّدهم « 2 » بإدراك العقول ، فلا يتيسّر لإحدى الطائفتين فهم هذه اللغة التي يتكلّم بها الحقّ في قلوب العارفين . فلهذا « 3 » قال : « وللإلهام غاية تمتنع الإشارة إليها » ، فإنّ العقول تحار فيها ، فما ظنّك بالأوهام والحواسّ . فلا يفهم الإشارة « 4 » إلى غيب الغيوب إلّا أهل اللّه ، خاصّة الخاصّة . قال اللّه تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً [ 72 / 26 - 27 ] . مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أي من جهة الشهود والتلقّي من الحقّ ، وَمِنْ خَلْفِهِ من جهة العقل والحسّ ، التي تولّى عنها في التداني والتلقّي من الحقّ عند التدلّي والتنزّل إلى مبالغ عقول الامّة للتبليغ والتعليم والتفهيم .
--> ( 1 ) ب ، ج : فهمهم . ( 2 ) م : ليقيدهم . النسخ الاخر مهملة . ( 3 ) ه : فلذا . ( 4 ) د : + العقول .